انهيار قيم … أم استنفاذ همم…
جاءني احدى الطلاب في الكلية.. يبدو عليه الحيرة.. فقمت بتعزيز ثقته لتتحدث براحه.. بدأ وكأنه قلق.. ثم بدأ بالكلام بخطى مترددة.. أسبرت له في الكلام من أجل تخطي حالة التردد.. فقال.. انه خائف مما يتم تداوله في مواقع التواصل عن الأوضاع والأزمة القطرية.. وما يراه من تدوينات وتغريدات تعبر عن انهيار القيم.. والأخلاق.. وروح الأخوة التي كانت سائدة فيما بيننا على مر الزمن رغم مرورنا بأزمات كثيرة مرت علينا.. وهل من حقه أن برد على هؤلاء بحرية ودون رقابة قد يضعه في مساءلة قانونية..
تفكرت وأنا أسمع كلامه.. وبنفس الوقت أصابني حالة من الفرح أن أبناءنا يدركون الواقع.. والصح من الخطأ.. وأهم من ذلك يدركون المسؤولية التي تقع عليهم.. ولكن بحذر وضمن حدود الحريات التي يفرضها لهم القانون ويمنعها..
وتوقفت عند سؤال طرحه.. هل ما نراه عبر وسائل التواصل الاجتماعي انهيار قيم؟.. فقلت له: هو انهيار قيم في بعض الأحيان.. ولكن هو بالحقيقة استنفاذ همم.. نظر طويلاً وهو صامت.. فوقف وقال.. صدقت يا دكتور.. حقاً هي استنفاذ همم.. غادر وهو ممتن للنتيجة التي توصل لها.. وكأنه تعرف على الطريق الذي سيسلكه..
نعم.. لا ننكر أن هناك انهيار قيم حاصل في بعض الأحيان.. فلا نستطيع أن نعمم الفكرة.. ولكن هناك مساحة واسعة لهذا الانهيار.. نتيجة للثقافة السياسية والاجتماعية السائدة في ظل الأزمات التي بدأت منذ ما يسمى (بالربيع العربي).. وهو في الحقيقة بداية الخريف.. وقد تلمسنا ذلك لهول الكارثة التي وقعت على العديد من الدول العربية.. وقد قالها أميرنا الشيخ صباح في مؤتمر عمان في الأردن.. أنه (وهم الربيع العربي).. وقوله: "وحتى نتمكن من تجاوز تلك الحقبة المظلمة من واقعنا العربي... فإننا مطالبون باستخلاص العبر مما حصل لنا، وأن تصحح العديد من مســــارات عملنا، تحصينا لمجتمعـــاتنا، وتماسكا لجبهتنا الداخلية، وتحقيقا لتطلعات شعوبنا المشروعة"..
وضعت كلمة سمو الأمير الأمور في نواصبها الحقيقية.. ولكن ما نراه اليوم أن هناك دول وبعض أفراد تلك الدول من الشعب لم يأخذوا العبر مما حصل لنا من الخريف العربي.. بل أكملوا بتمزيق الجبهات الداخلية والخروج عن المسار.. وخلع تطلعات الشعوب المشروعة من خلال اختراق سيادتها.. فاستنفاذ الهمم أدى إلى انهيار القيم التي تعبت من أجل بنائها أجيال وأجيال..
وبات علينا أن نتصدى ضمن سياق ممنهج لا يخالف القانون والقيم.. ومن أراد الحوار الحر ضمن منظومة القيم الأخلاقية فمرحباً به في رحاب ومنبر الحريات مواقع التواصل التي فاضت بالوسائل التي تضمن للجميع للحوار وحرية الرد.. وعبر الإعلام التقليدي.. لحشد الهمم للحق وفي الحق وليس استنفاذاً للهمم.. فمن انهارت نظمه القيمية أصبح مستنفذا لا حاشداً.. ولا نقبل فيه العزاء..